تخيل قلباً نوويّاً صغيراً ينبض بموجات نيوترونية قوية، يفتح أبواباً لاكتشاف أسرار الذرة، وصُنع نظائر تنقذ الأرواح. هذه هي المفاعلات البحثية: منشآت متخصصة لا تلهث وراء ميجاوات الكهرباء، بل تضبط تدفق النيوترونات بدقة مذهلة لتوفير تجارب رائدة في الطب والصناعة والعلوم، ما يمكِّن من إجراء تجارب متقدمة، وإنتاج نظائر مشعة.
وعلى مستوى العالم يدعم أكثر من 200 مفاعل بحثي تطبيقات علمية وطبية وصناعية متنوعة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ونظراً إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تُشغِّل -فعلًا- محطة براكة للطاقة النووية، فإن إضافة مفاعل بحثي تُعَد امتداداً بسيطاً يتماشى تماماً مع الرؤية الوطنية النووية، والبنية التحتية القائمة.
وتتمثل القيمة الجوهرية للمفاعل البحثي في ثلاث وظائف رئيسة: أولاً: تتيح خدمات الإشعاع بالنيوترونات وخطوط الحزم للباحثين فحص تراكيب المواد على مستوى الذرة. ومن خلال توجيه النيوترونات عبر عينات يمكن للعلماء توصيف سبائك جديدة، وتقييم أغلفة وقود المفاعل في ظروف قريبة من الواقع، ودراسة مواد متقدمة لتطبيقات الطاقة والمياه.
ثانياً: تُعد المفاعلات البحثية المصدر الرئيس للنظائر المشعة الحيوية والصناعية، ذلك أن «التكنيشيوم-99م» المُستخدَم في التصوير التشخيصي، و«اليود-131» المُستخدَم في علاج السرطان، ينتجان تقريباً حصريّاً عبر انشطار اليورانيوم في المفاعلات، ومن ثم، فإن وجود مصدر نيوتروني سيادي محلي يدعم الوصول الموثوق به إلى هذه النظائر المنقذة للحياة، ويقلل الاعتماد على سلاسل الاستيراد الخارجية الطويلة.
ثالثاً: تُعد المفاعلات البحثية منصات تدريب أساسية، فالخبرة العملية في فيزياء المفاعل، ومعايرة قضبان التحكم، وسلامة الإشعاع، تزود المهندسين والمشغلين والمنظمين النوويين بالمهارات العملية الضرورية لإدارة المحطات القائمة، وتنفيذ مشروعات نووية مستقبلية.
وعلى صعيد الأولويات الوطنية يتوافق الاستثمار في مفاعل بحثي مباشرة مع الأولويات الوطنية في الرعاية الصحية، وابتكار الطاقة، وتنمية رأس المال البشري، لأن إنتاج النظائر محليّاً سيقضي على المخاطر اللوجستية المرتبطة بالنقل لمسافات طويلة، ما يضمن إمداداً مستمرّاً بالنظائر التشخيصية والعلاجية للمستشفيات. كما أن اختبارات المواد بالنيوترونات ستسرِّع تحقيق اكتشافات في أنظمة التحلية المدعومة بالطاقة الشمسية، ومواد التبريد المتقدمة المصممة لتحمُّل بيئات الصحراء القاسية.
وفي ضوء توقع تقدُّم دولة الإمارات عالميّاً في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن المفاعل يولِّد بيانات نيوترونات عالية الجودة لتدريب الذكاء الاصطناعي، ويشغّل محاكاة التوأم الرقمي للصيانة التنبئية، ويعزز التعاون البحثي بين الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية، ما يعزز ريادة دولة الإمارات عالميّاً في المواد المتقدمة والتحليلات التنبئية، وتشغيل المفاعلات الذكية.
ومع وجود خطط في منطقة الخليج لإنشاء مثل هذا المشروع، فإنه يجب على دولة الإمارات أن تكون الأولى في المنطقة، وتقود الطريق فيه. ومن خلال دمج المفاعل البحثي داخل المؤسسات الأكاديمية والتنظيمية، ستتمكّن الدولة من بناء جيل من العلماء والمهندسين النوويين الإماراتيين، تُثمِر خبرتهم كفاءة تشغيلية عالية في محطة براكة، وأي مبادرات نووية سلمية مستقبلية. وبهذه الطريقة لا يقتصر دور المفاعل البحثي على دفع عجلة الاكتشافات العلمية، بل يعزز أيضًا قدرة دولة الإمارات السيادية في التكنولوجيا النووية، ويقوي صمود القطاع الصحي، ويسرِّع الابتكار في التصنيع العالي القيمة. وبالنظر إلى التزام دولة الإمارات الحالي بالطاقة النووية الآمنة، وخريطة الطريق الواضحة لقيادة التكنولوجيا، فإن إضافة مفاعل بحثي تُعَد خطوة واضحة، وفي غاية الأهمية لتحقيق رؤيتها الطويلة الأمد.
الأستاذ الدكتور/ خالد المري *
*أستاذ دكتور وعميد البحوث بالجامعة البريطانية في دبي


